ابن أبي الحديد

82

شرح نهج البلاغة

يوهمون أنهم يدفنونه بالحيرة ، وحفروا حفائر عدة ، منها بالمسجد ، ومنها برحبة القصر ، قصر الامارة ، ومنها في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة المخزومي ، ومنها في أصل دار عبد الله ابن يزيد القسري بحذاء باب الوراقين مما يلي قبلة المسجد ، ومنها في الكناسة ، ومنها في الثوية ، فعمى على الناس موضع قبره ، ولم يعلم دفنه على الحقيقة إلا بنوه والخواص المخلصون من أصحابه ، فإنهم خرجوا به عليه السلام وقت السحر في ( 1 ) الليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان ، فدفنوه على النجف ، بالموضع المعروف بالغري ، بوصاة منه عليه السلام إليهم في ذلك ، وعهد كان عهد به إليهم ، وعمى موضع قبره على الناس ، واختلفت الأراجيف في صبيحة ذلك اليوم اختلافا شديدا ، وافترقت الأقوال في موضع قبره الشريف وتشعبت ، وادعى قوم أن جماعة من طيئ وقعوا على جمل في تلك الليلة ، وقد أضله أصحابه ببلادهم ، وعليه صندوق ، فظنوا فيه مالا ، فلما رأوا ما فيه خافوا أن يطلبوا به ، فدفنوا الصندوق بما فيه ، ونحروا البعير وأكلوه ، وشاع ذلك في بنى أمية وشيعتهم ، واعتقدوه حقا ، فقال الوليد بن عقبة من أبيات يذكره عليه السلام فيها : فإن يك قد ضل البعير بحمله * فما كان مهديا ولا كان هاديا وروى الشيخ أبو القاسم البلخي أيضا ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة الضبي ، قال : مر ناس بالحسن بن علي عليه السلام ، وهم يريدون عيادة الوليد بن عقبة ، وهو في علة له شديدة ، فأتاه الحسن عليه السلام معهم عائدا ، فقال للحسن : أتوب إلى الله تعالى مما كان بيني وبين جميع الناس ، إلا ما كان بيني وبين أبيك ، فإني لا أتوب منه . قال شيخنا أبو القاسم البلخي : وأكد بغضه له ضربه إياه الحد في ولاية عثمان ، وعزله عن الكوفة .

--> ( 1 ) ج : ( من الليلة ) .